محمد بن وليد الطرطوشي

34

سراج الملوك

غيره علة يساوقه في الوجود ، وهو قبل جميع الأعيان بلا علّة لأفعاله ، فقدرة اللّه في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه فيها بلا علاج ، وعلّة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه . فإن قلت : أين هو ؟ فقد سبق المكان وجوده ، فمن أين الأين لم يفتقر وجوده إلى أين ، هو بعد خلق المكان غنيّ بنفسه كما كان قبل خلق المكان ، وكيف يحل فيما منه بدأ ؟ أو يعود إليه ما هو أنشأ ؟ وإن قلت : ما هو ؟ فلا ماهية لوجوده ، و ( ما ) موضوعة للسؤال على الجنس ، والقديم تعالى لا جنس له ، لأن الجنس مخصوص بمعنى داخل تحت الماهية . وإن قلت : كم هو ؟ فهو أحد في ذاته ، منفرد بصفاته . وإن قلت : متى كان ؟ فقد سبق الوقت كونه . وإن قلت : كيف هو ؟ فمن كيّف الكيف ، لا يقال له كيف ، ومن جازت عليه الكيفية ، جاز عليه التغيّر « 1 » . وإن قلت : هو ، فالهاء والواو خلقه ، بل ألزم الكلّ الحدث ، كما قال بعض الأشياخ ، لأن القدم له ، فالذي بالجسم ظهوره فالعرض « 2 » يلزمه ، والذي بالأداة اجتماعه فقواها تمسكه ، والذي يؤلّفه وقت يفرّقه وقت ، والذي يقيّمه غيره فالضرورة تمسّه ، والذي الوهم يظفر به فالتصوير يرتقي إليه ، ومن أواه محلّ أدركه أين ، ومن كان له جنس طلبه كيف ، وجوده إثباته ، ومعرفته توحيده ، وتوحيده تمييزه من خلقه ، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه ، لا تخايله « 3 » العيون ، ولا تخالطه الظنون ، ولا تصوّره الأوهام ، ولا تحيط به الأفهام ، ولا يقدّر قدره الأنام ، ولا يحويه مكان ، ولا يقارنه زمان ، ولا يحصره أمد ، ولا يشفعه ولد ، ولا يجمعه عدد ، قربه كرامته ، وبعده إهانته ، علوّه من غير توقّل « 4 » ، ومجيئه من غير تنقل ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] ، والقريب البعيد ، الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] .

--> ( 1 ) في ( خ ) جاز عليه النعت . ( 2 ) العرض : أي الشيء العارض والطارئ . ( 3 ) لا تخايله العيون : أي لا تتصوره . ( 4 ) التوقل : الصعود .